محمد جواد مغنية

176

في ظلال نهج البلاغة

هذه الحروب . . كلا ، لقد كان ما بعدها أدهى وأمرّ : ثورات من الداخل يعلنها فلول الخوارج وغيرهم من الناقمين على الحق والعدل يعرّضون أمن العباد للخطر . . وغارات من الخارج يصبها معاوية على البلاد ، وتترك الدمار والدماء ، والفزع والهلع . . وجيش متثاقل متخاذل . . وأصحاب يقولون : سمعنا وعصينا تماما كما قال بنو إسرائيل للَّه وكليمه . قال طه حسين في كتاب « علي وبنوه » : « كان علي لا يسد ثغرة إلا فتحت له أخرى ، وأصحابه على ذلك معنون في العجز مغرقون فيما أحبوا من العافية ، قد فل حدهم ، وكسرت شوكتهم ، وطمع فيهم العدو البعيد ، وأغري العدو المقيم بين أظهرهم » . هذه هي خلافة علي بأتعابها وحرابها . . وكان ختامها ضربة بسيف مسموم أصابه في جبهته حتى بلغ الدماغ ، فلفظ النفس الأخير ، وهو يتلو قوله تعالى : * ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه ومَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه ) * . وكان هذا آخر كلام نطق به . . واقتسم ولداه : الحسن والحسين ( ع ) ميراث الوالد ، فكان السم من نصيب الحسن ، والسيف من نصيب الحسين . . والذنب ذنب « الحق » . . أحبه علي وبنوه فكان هذا جزاءهم من أعدائه . المعنى : ( ما هي إلا الكوفة أقبضها وأبسطها ) . أي أتصرف فيها . وكانت الأقطار الاسلامية كلها في تصرف الإمام وسلطانه ما عدا الشام ، ثم انتزع الخصوم أكثر الأقطار أو الكثير منها ، وبقي فيما بقي الكوفة ، فحقرها الإمام ( ع ) بقوله : ما هي إلا الكوفة إلخ أي ليست بشيء إذا قيست إلى غيرها . . حتى هذه الكوفة عاصمة الإمام غار عليها أبو مريم في جيش من الموالي المرتزقة ودنا منها ، فأرسل الإمام جنودا لحربه فهزمهم . . وعندها اضطر الإمام أن يخرج اليه بنفسه ، فقتله ومن معه ( ان لم تكوني إلا أنت تهب أعاصيرك ) . ان لم يكن لي من الجند والأنصار إلا أهلك أقاتل بهم الباطل وأهله ( فقبحك اللَّه ) . أبعدك وأبعد أهل العراق ، أهل الغدر والمكر ، والغرور والفجور . . وقد عرف الحجاج داءهم ودواءهم ، فكان لهم الطبيب المداويا .